إن اختيار الكتب التي ستقرؤها هي التي تحدد مكانتك ككاتب، وليس كتبك. إن الكتب التي ألفتها ونشرت هي مرصودة للقراء، وهؤلاء القراء لايمكن معرفتهم بالتحديد. إذا كتب أحد النقاد عن كتاب من كتبك، فهذا قد يسعدك، ولكنه ليس الكلام الأخير أو ” الرد الأخير” ( لنسرق هذا من رولان بارت). إن قراءة نقدية ليست نهائية، وإنما هي تفتح العين على كتابك، وتجعله معروفا. فالكتاب يمر بأطوار عديدة حتى يصل إلى يد القارئ أو أيدي القراء.
قد تصادف كتابا لم تكن تعلم عنه أي شيء، وتقول هل هذا كتاب ألفه دوستويفسكي؟! مثلما وقع لي وأنا في مرتيل وبالقرب من المدرسة العليا للأساتذة ذات يوم حيث وأنا ألقي نظرة على الكتب التي تباع على الأرض راح بصري إلى كتاب بعنوان” حلم العم”، لم أكن أعرف أن دوستويفسكي كتب هذه الرواية، وطبعا هذه الرواية ترجمها د. سامي الدروبي، فاشتريتها، ورحت أمام مصباح ضوئي قدام سوق السمك وقرأت:” كتبت سنة 1858 بمدينة سيميبالاتنسك، ونشرت في مجلة” كلام روسيا”، آذار مارس 1859″. وفي الفصل الأول، أقرأ:” إن ماريا ألكسندروفنا موسكاليوفا هي السيدة المرموقة في مورداسوف. ذلك أمر لامراء فيه، ولا يمكن أن يخالطه ظل من شك.”. هذا ما يدفعك للقراءة لتكتشف مايدور في هذه الرواية من أحداث وأفعال وكائنات وأشياء… في تعليقه على رواية حلم العم قال دوستويفسكي: ” كان همي الوحيد حين كتبت في سيبيريا هذه الرواية الأولى بعد المعتقل أن أستأنف حياتي الأدبية، وكنت خائفا من الرقابة خوفا كبيرا، لذلك جاءت وجلة كحمامة، بريئة براءة تامة من الممكن أن تصنع منها مسرحية هزلية”. إنها ” رواية تصور حياة الأرستقراطية الروسية بصورة هزلية”.
قال عنه نيتشه إن دوستويفسكي “عالم النفس الوحيد الذي تعلمت منه، أعتبر وجوده واحدة من أحلى ضربات الحظ في حياتي”.
لا أعرف لماذا أؤجل كل مرة قراءة هذه الرواية كما لو أنني أؤجل الرغبة ذاتها، تلك الرغبة في القراءة كما هي الرغبة في الكتابة.
إن عوالم الكتاب وتجاربهم الباطنية هي مالا ينكشف بسهولة، ولهذا يفضل الكثير من الكتاب أن يجعلوا منها مسرودات؛ حتى وإن كتب الكاتب سيرته الذاتية ( أوتوبوغرافيته) أو كتبوا عن بيوغرافيته ( سيرة حياته) أوكتب سيرة روائية أو سيرة من الذات أو حاول الخروج عن هذه الأجناس الأدبية وكتب كاتب تخييلا ذاتيا أو تخييلا، أو شذرات عن كتبه وحياته وأحلامه أو أصداء سيرته الذاتية أو عن حياته، هو ينكتب في رواياته وقصصه أحب ذلك أم كره.
إن تأجيل قراءة كتاب – رواية على سبيل المثال- ماهو إلا رغبة وانتظار؛ إن الكتاب الموجود على الرف هو كتاب قرأ أو سوف يقرأ. إنه ما ينبغي قراءته دون توقف للزمن.
هذا ما يمكن أن أطلق عليه “القراء الصيرورة” إذا صح التعبير. وعندما تقرأ الكتاب وتتحول إلى قارئ لك حرية الاختيار وحدود هذا الاختيار في الكتابة عنه أو لا… ذلك أن القراءة هي اختيار ورغبة، كما هي الرغبة في الكتابة التي هي حضور وغياب، تجلي وخفاء.

