تحت القائمة

(النسر) .. رواية «قصيرة» ليوسف خليل السباعي!

✍️ رشيد الأشقر

إضاءة أوّليّة

هذا الصباح، وفي جلسة قرائية واحدة، انتهيتُ من التهام «الكاسكروت» الروائي الذي أعدّه لنا مؤخرا صديقنا الصحفي النشيط والكاتب المبدع يوسف خليل السباعي، تحت عنوان (النسر).

أوّل ما يُثير الانتباه في هذا المنجز السردي الطريف، حجمه القصير الذي لا يتعدّى ستّ وسبعين صفحة، فضلا عن أجوائه الحكائية المشحونة بالغرابة والتشظّي والإرباك، ثمّ لغته المتعجّلة، المحفوفة بالمزالق والمطبّات.

لا أزعم تقديم قراءة «نقدية» لمكوّنات هذا العمل الأدبي الحادي عشر في ترتيب الحصيلة الإبداعية لكاتبنا الغزير يوسف خليل السباعي، وإنّما هي مجرّد انطباعات أوّليّة، أصوغها في شكل أسئلة مدخليّة على النحو التالي:

سؤال التجنيس :

يصنّف الكاتب عمله السردي هذا ضمن واحد من أكثر الأنواع الأدبية التباسا في التاريخ الجينيالوجي لنشأة وتطور الأجناس الأدبية. ويتعلّق الأمر بكائن سردي هجين، يقع على الحدود الفاصلة بين تخوم القصة وربوع الرواية، اصطُلح عليه نقديا بـ «النوڤيلا» أو «الرواية القصيرة».

لذلك أحيّي الكاتب على جسارته باقتحام هذا الصنف من السرد المثير للجدل، سواء على مستوى المصطلح أم على مستوى الهويّة الأدبية والإكراهات الفنّية. فهو لا يزال بحاجة إلى مزيد من الجهود النقدية حتّى يتأتّى للمبدعين والنقاد تمييزه وتفريده والتدقيق في خصائصه وحدوده. ولعلّ الالتباس الذي يُحيط به هو ما جعل كثيرا من الروايات العربية البارزة التي تنتمي فعليّا إلى جنس «النوڤيلا» أو «الرواية القصيرة»، غالبا ما تُلحق بالرواية أو بالقصة القصيرة، وقلّما تحظى بتجنيس مستقلّ يسمح بقراءتها كنوع سردي ثالث يمتلك عناصر كافية لإثبات هويّته وخصوصيته !

سؤال البناء السردي:

الغرابة والفانتازيا وتكسير أفق الحكي التقليدي، هي سمات بارزة في هذا العمل السردي الذي يرنو إلى رصد الواقع من خلال النظر إليه من زاوية تُغادر منطقه وانسجامه الظاهري المألوف، إلى درجة يبدو فيها الأسلوب الكافكاوي والماركيزي حاضرا بثقله «المسخي» و«العجائبي» داخل النسيج الروائي .. كما أن الحضور المكثف لميكانيزم التناص، والإحالة المستمرّة على أحداث وشخصيات روائية متداولة في الآداب العالمية والعربية، يحوّل العملية الإبداعية في هذا النص إلى نوع من السرد «النرجسي» الذي يُحيل على ذاته، بدل الانشغال بتفاصيل الحكي عن مرجع خارجي.

وعليه، أعتبر «النسر»، بغضّ النظر عن حجمه، عملا «روائيا» مستفزّا جديرا بالتأمل والنقاش النقدي، فهو على الأقل يُكسّر تلكم الصورة النمطية للأحداث والشخصيات المستهلكة في الكتابة الروائية الخطّيّة والمرآوية، ليُقدّم لنا منظورا روائيا مختلفا؛ يُقارب الواقع من زاوية «تخييل» الواقع، ويؤسّس لرؤية غير اعتيادية لواقع اعتيادي !

سؤال اللغة:

لا جدال حول أهميّة اللغة في تشكيل النص الأدبي، سردا كان أم شعرا .. فهي الوعاء الحامل لمجمل المعاني والأحاسيس والرؤى التي يودّ الكاتب إبغلاها للقراء، بل أنها – أي لغة النص – تُضحي غاية لا وسيلة في كثير من الأعمال الأدبية الرفيعة حيث تغدو المتعة اللغوية رديفا للمتعة الذهنية واللّذة الشعورية. ولعل هذا ما جعل كبار كتاب العالم مهوسين بمراجعة ما يكتبون. وأذكر في هذا السياق أنّه بعد وفاة الروائي الكولومبي الكبير «غابرييل غارسيا ماركيز»، عُثر داخل أرشيفه الشخصي على عشرات المسودّات المرقونة، المُصحّحة والمنقّحة، لعدد من رواياته الشهيرة .. وهذا يدلّ على حرص «ماركيز» الشديد على إعادة النظر في كلّ ما يكتبه قبل أن يُلقي به إلى طريق النشر والخروج إلى عالم القرّاء.

وفي هذا الصدّد، أخال صديقنا الكاتب يوسف خليل السباعي وقد ألقى بـ «نسره» هذا إلى المطبعة مباشرة بعد الانتهاء من صياغة مسودّته الأولى، دون أدنى جهد بالمراجعة وعناء التنقيح .. ولو أنّه منح «النسر» بعضًا من العناية اللغوية، والصيانة الأسلوبية، لربأ بنفسه عن الوقوع في عدد من المزالق النحوية والإملائية والتركيبية التي لا تليق بهذا النمط من الإبداع الطلائعي الطموح!