لم تكن الشعارات المرفوعة في احتجاجات تاونات الأخيرة من قبيل “يمشي فحالو، العامل مدار والو” مجرد هتافات عابرة، بل تعبير صريح عن غضب شعبي عميق وإحساس متراكم بالتهميش وفقدان الثقة في المؤسسات المحلية. هذا التحول يعكس حالة إحباط تجاوزت القنوات التقليدية كالمنتخبين والأحزاب والجمعيات، ولم تعد تجد متنفساً سوى الشارع.
الأزمة لم تعد مرتبطة بالأداء الإداري فقط، بل طالت المشهد السياسي برمته. فالأحزاب التي اختزلت العمل التمثيلي في تزكية أشخاص بلا رصيد سياسي أو ثقافي أو نضالي، ساهمت في تحويل ممثلي الشعب إلى مجرد واجهات فارغة. ومع الوقت، تآكلت ثقة الناخبين، ولم يعد الذهاب إلى صناديق الاقتراع خياراً يثير الحماس أو يعكس آمالاً حقيقية.
ما يجري اليوم أكبر من احتجاجات يومية؛ إنه إنذار صريح بأن الاستمرار في تجاهل المطالب المشروعة للمواطنين قد يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب. ولهذا، فإن المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف، في السلطة والإدارة والسياسة، من أجل التحرك العاجل قبل أن ينفلت الوضع.
الدرس المستفاد من تجربة تاونات هو أن المواطن لم يعد يرضى بالوعود الفضفاضة، وأن الغضب الشعبي ليس ورقة يمكن الاستهانة بها. الحل لن يأتي إلا عبر الوضوح والجرأة في الحوار، واعتماد إجراءات عملية تعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وهنا يبرز دور النموذج التنموي الجديد كإطار يمكن أن يشكل فرصة لإعادة رسم العلاقة بين الطرفين، شريطة أن يُترجم إلى نتائج ملموسة على الأرض، وأن يمنح للمواطنين حق المشاركة الحقيقية في صياغة وتنفيذ سياسات التنمية المحلية، بعيداً عن الانفرادية التي كرست الإقصاء لعقود.
