في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية والاجتماعية، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم المشاركة والوعي والاحتجاج، وجدت الأحزاب التقليدية نفسها أمام جيل جديد لا يشبه ما سبق. جيلٌ لا تؤطره الشعارات القديمة، ولا تُغريه الخطابات الرسمية، بل يصنع عالمه بنفسه، بلغته وأدواته.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا عجزت القوى السياسية، بأغلبيتها ومعارضتها، عن فهم ظاهرة “جيل زد 212″؟. الأمر بسيط، لأنها لا تملك ذكاء شباب جيل “زد 212”.
قد تبدو الإجابة مقتضبة، وربما صادمة في بساطتها، لكنها تختزل واقعًا سياسيًا معقدًا يعيشه المشهد اليوم. فحين تعجز القوى التقليدية، بمؤسساتها العتيدة وخطاباتها المتكررة، عن مواكبة تحولات مجتمعها، يكون الفشل نتيجة حتمية لا استثناء.
جيل “زد 212” ليس مجرد تسمية جيلية عابرة، بل يمثل نمطًا جديدًا من الوعي والممارسة. إنه جيل لا يعترف بالهرميات القديمة، ولا ينتظر الضوء الأخضر من الأحزاب أو الزعامات. يتنقّل بين المنصات بسلاسة، ينظّم احتجاجاته بكفاءة، يصوغ خطابه بلغة عصره، ويتحرك خارج القوالب الجاهزة. إنه جيل الرقمنة، والسرعة، والذكاء الجماعي. والأهم من ذلك، هو جيل يملك حساسية حادة تجاه التناقضات، ولا يمنح ثقته بسهولة.
ما تفتقده الأحزاب اليوم ليس فقط الشرعية أو القاعدة الشعبية، بل ما هو أعمق: الحسّ الاستراتيجي المتجدّد، والقدرة على الإنصات الذكي، والفهم العميق لكيفية تشكّل الرأي العام في زمن “ما بعد الحقيقة”. فأن تكون سياسيًا ناجحًا اليوم لا يعني فقط أن تملك برنامجًا انتخابيًا، بل أن تفهم الخوارزميات، وتتابع التريند، وتقرأ الإشارات الخفية في منشورات الميمز، والتغريدات الساخرة، والوسوم الغاضبة.
جيل “زد 212” لا يطالب بمقاعد في البرلمان، بل يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة. لا يبحث عن اعتراف النظام، بل يتجاوزه بمنطق جديد، وبأدوات غير مرئية، لكنها فعّالة. وهذا ما لا تفهمه النخب التقليدية، أو ربما ترفض الاعتراف به.
إن فشل الطبقة السياسية لا يعود فقط إلى السياسات الخاطئة أو القرارات المرتجلة، بل إلى عجزها عن التقاط نبض المجتمع المتحوّل، وعن إدراك أن السلطة اليوم لم تعد تُمارس فقط من فوق، بل تُصنع أيضًا من الأسفل، من الشارع، ومن خلف الشاشات، ومن داخل سرديات صغيرة تشعل خيال الناس وتحرك غضبهم.
وحين لا تملك الحكومة ولا المعارضة ولا الأغلبية ذكاء هذا الجيل، فهي لا تملك شيئًا في الواقع. إنها تتحدث لغة انتهى زمنها، وتخوض معارك لا تهم أحدًا، بينما تمر التحولات الكبرى أمامها دون أن تراها.
لذلك، فالأمر بسيط: فشلوا لأنهم لا يفهمون، ومن لا يفهم، لا يمكنه أن يقود.
