الدرس الكروي المغربي: هل نستثمر “ملحمة 2026” لبناء نهضة شاملة؟
✍️ منعم أولاد عبد الكريم
بعد الأداء الباهر لأسود الأطلس في مونديال قطر 2022 تحت قيادة وليد الركراكي، ها هم يعودون لكتابة فصل جديد في ملحمة كروية متجددة خلال المونديال الحالي 2026، بقيادة الناخب الوطني محمد وهبي. هذا الحضور القوي لم يعد صدفة، وليس مجرد محطة رياضية عابرة، بل هو نتاج لعمل جاد مورس لتطوير قدرات منتخباتنا لكرة القدم خلال العقد الأخير، وهو ما صار يعترف به العالمين، أصدقاء ومعادين. لقد أثبت المنتخب المغربي جدارته بالمرتبة التي يحتلها داخل تصنيف الفيفا (السابع عالميا) وهو يمر إلى دور ربع نهائي لكأس العالم، مبطلا بذلك فساد خرافات “الكولسة” و”النفوذ”… إلا أن هذا الإنجاز على قوته، فإنه يضعنا كمغاربة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتنا كأمة على تحويل “الإنجازات الرياصية” إلى رافعات استراتيجية للنهوض والإقلاع.
إن أكبر خطأ قد نقع فيه هو أن نحول هذا المونديال إلى مجرد “صيحة في واد”، أو أن نجعله ذكرى نوستالجية نتغنى بها في المجالس دون أثر ملموس على واقعنا المعاش. إن قيمة الأحداث التاريخيةعند الشعوب المتحضرة لا تكمن في صخب الاحتفال بها، بل في القدرة على استخلاص العبر منها وتحويلها إلى وقود للإقلاع الشامل في مختلف مناحي الحياة العامة.
لقد كان المونديال مرآة عاكسة أعادت للمغاربة اكتشاف قيمتهم وقدراتهم، وانتشلتنا من حالة الشك والريبة واليأس التي خيمت على المشهد العام لسنين طوال بفعل تراكم الإحباطات، وتصدر مشهدنا العام نماذج لا تعكس طموحاتنا، مما أدى إلى تآكل القدوات وتلاشي قيمتها في النفوس. لذا، لا يجب أن توظف هذه التجربة الكروية كوسيلة لإلهاء الناس عن همومهم الحقيقية، بل يجب أن تتحول إلى “درس وطني” يُطبق في قطاعات حيوية مثل التعليم، والصحة، والتنمية.
إن ما يظهره اللاعبون من روح قتالية، وإخلاص للقميص الوطني، وتفانٍ في العمل فوق رقعة التباري هو ذاته الوصفة المطلوبة للنجاح في أي قطاع آخر، شريطة توفر ثلاث ركائز: بيئة حاضنة للكفاءات، إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، ومنطق صارم في اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، تماما كما يختار اللاعبون لحمل القميص الوطني.
من جهة أخرى، ينبغي التذكير أن نجاح محمد وهبي – على غرار وليد الركراكي وهشام الدكيك – يؤكد حقيقة ساطعة: أن الكفاءات الوطنية هي رهاننا الرابح، وأن أسطورة “المدرب الأجنبي” كمنقذ وحيد باتت أطروحة بائرة تستهلك المال العام دون طائل. ومع ذلك، ينبغي التحذير بقوة من أن يتحول هذا النجاح إلى “غرور إداري” لدى مسؤولي الاتحاد المغربي لكرة القدم، بحيث يصور لهم أنهم هم صناع المعجزات بصرف النظر عن اسم الناخب. فمثل هذه “الذهنيات الاستعلائية” هي العطب المزمن الذي تعاني منه إداراتنا ومؤسساتنا الحزبية والنقابية، وسبب فشلها، حيث لا يزال البعض يؤمن بمنطق “الزعيم الأوحد” الذي ينير البلاد، بينما يعتبر الآخرين مجرد أدوات تنفيذية لقراراته “العليا”.
إن الدرس الكروي بليغ: العمل القاعدي الرصين وتكافؤ الفرص والكفاءة هم أساس النتائج الجيدة، وليس “صناعة الأيقونات” التافهة. فهل نتعلم من نجاح الكرة كيف ننتصر في معاركنا التنموية الكبرى؟ أم سنظل ننتظر موعد المونديال لنستعيد البسمة وثقتنا في أنفسنا مرة كل أربع سنوات؟
شخصيا. أظن أن المغاربة قادرون على الاحتفال بإنجازات أخرى في مجالات البحث العلمي والإنتاج الصناعي والفلاحي وتسجيل أهداف كثيرة في مجال التنمية المستدامة، والتفوق على الفوارق الاجتماعية والفساد والريع… تماما مثلما يحتفلون بإنجازات المنتخبات الوطنية لكرة القدم، ما إن توفرت نفس الروح ونفس الإرادة ونفس الإمكانات المرصودة.

