الأنظار هذه الأيام مصوبة في اتجاه الجزائر، رغم أن أغلب متابعي القمة العربية في نسختها الأخيرة يعرفون ألا طائل من توصيات قمة عربية انطلقت بممارسات تضرب في العمق شعار القمة. والذين ضربوا في شعار القمة، قبل انعقادها، هم أنفسهم الجهة المُضيفة.
أقدم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على تغييب الدور التاريخي الذي لعبه المغرب في انطلاق شرارة الثورة الجزائرية، وتمويلها وإيواء أعضائها. حتى أن قيادة جيش التحرير المغربي كانت تعتبر استقلال الجزائر بعد استقلال المغرب، الهدف الأسمى من تأسيس الخلايا المسلحة وفروع جيش التحرير الوطني، ولم تكن تفرق بين البلدين، إلا بعد أن اختار «هواري بومدين» أن يصبح رئيس دولة معادية رسميا للمغرب.
ننشر في هذا الملف وثيقة، يسلط عليها الضوء لأول مرة، تكشف حقيقة سوف تكون مزعجة بالتأكيد لكل الذين يحاولون طمس الدور المغربي في إنجاح الثورة الجزائرية وتمويلها أيضا، وتتعلق بتتبع أنشطة بوتفليقة عندما كان وزيرا لخارجية الجزائر سنة 1967، وهو المنصب الذي شغله منذ 1965 وغادره بعد وفاة بومدين سنة 1978، قبل أن يعود بعد سنوات من الغياب والمنفى مباشرة إلى منصب رئيس الجمهورية، وتصفه -الوثيقة- بالمغربي!
وثيقة سرية من سفارة بلجيكا سنة 1967 : بوتفليقة معاد للمغرب لأنه رُفض في مباراة الأمن
مضامين هذه الوثيقة السرية تُنشر لأول مرة. هي مراسلة خاصة حُررت في سفارة بلجيكا بالرباط، وقعها السفير «جان دو باسومبيير» ووُجهت إلى وزير الخارجية البلجيكي السيد «بيير هارميل»، وحررت في الثامن من مارس سنة 1967.
وقتها كان عبد العزيز بوتفليقة وزيرا للخارجية الجزائرية، وانتاب المخابرات الأجنبية، خصوصا الأوروبية منها، فضول كبير بشأنه، سيما عندما رصدت فرنسا اتصالات بينه وبين جماعات مسلحة في أوروبا، لديها اتصال بالاتحاد السوفياتي، وبعضها نفذت عمليات فوق التراب الأوروبي، خصوصا في فرنسا التي كانت جماعة «لو شاكال» تنشط فوق ترابها.
بالعودة إلى الوثيقة، فقد تحدث فيها السفير البلجيكي في الرباط قائلا: «إشارة إلى الاتصالات المختلفة التي أجريناها، يشرفني مراسلتكم بخصوص النزاع الحدودي المغربي الجزائري، فإني أرى أنه من المفيد تحديد السيد عبد العزيز بوتفليقة، الذي يلعب دورا مهما في هذه القضية.
عبد العزيز بوتفليقة مغربي، وُلد وترعرع في وجدة. وفي شبابه اشتغل حمالا للسلع في بقالة بوجدة، تعود إلى والد بن بلة الذي كان جزائريا.
لاحقا، عادت أسرة بن بلة إلى الجزائر، حيث لعب الابن دورا كبيرا تعرفونه جيدا، بينما بقيت المسيرة المهنية لبوتفليقة غامضة في وجدة.
في سنة 1962 رفضت الحكومة المغربية توظيفه في منصب ضابط أمن بمدينة وجدة، حيث تقدم بطلب لاجتياز المباراة، لكن لم تكن لديه أي كفاءة لشغله.
خاب أمله لهذا السبب، ذهب إلى الجزائر، حيث ترقى سريعا وتجاوز كل العقبات والمراحل، ليصبح وزيرا للخارجية..
إن مخبرا مغربيا هو الذي زودني بهذه المعلومات، التي تسلط الضوء على شخصية بوتفليقة، وتفسر رد فعله أمام المغرب».
انتهى مضمون هذه الوثيقة التي وصف فيها سفير بلجيكا في المغرب، عبد العزيز بوتفليقة بأنه مغربي.
هذه الوثيقة التي تقبع اليوم في أرشيف مراسلات سفارة المملكة البلجيكية في الرباط، تكشف إلى أي حد كان سهلا تتبع أثر عبد العزيز بوتفليقة سنة 1967، وهو لا يزال وقتها وزير خارجية بلاده. قبل أن تجري وقائع كثيرة عملت من خلالها الجزائر على محو تاريخه المغربي، حتى لا تُحرج كلما قامت دولة أجنبية بالسؤال عنه.
إذ إن ولادة بوتفليقة في المغرب، ودراسته به وحصوله على شهاداته التعليمية كلها من المغرب، كان موضوعا محرجا للجزائر، خصوصا بعد حرب الرمال وأزمة الصحراء المغربية.
إذ إن بوتفليقة الذي دبر إعلاميا ودوليا هجومات الجزائر على المغرب، وصار ناطقا باسم رئاسة الجمهورية، وهي المهمة التي جمعها مع منصبه وزيرا للخارجية، أصبح موضوع إحراج لبومدين، عندما يثار موضوع علاقته الحقيقية بالمغرب.
الوثيقة التي وقعها سفير بلجيكا في المغرب، تؤكد أنه حصل على المعلومات التي تضمنتها من مصدر أمني مغربي.
سكان وجدة كانوا يعرفون تلك المعطيات جيدا، لكن أن تصف دولة بقيمة بلجيكا، وزير خارجية الجزائر، ورئيسها المستقبلي، بأنه مغربي، يحقد على المغرب فقط لأنه فشل في اجتياز مباراة الإدارة العامة للأمن الوطني في ستينيات القرن الماضي، فالأمر يستحق فعلا أن نتوقف عنده.
إذ إن تداعيات الأزمة بين المغرب والجزائر تعود في أصلها إلى عوائق وضعها بوتفليقة بنفسه، ومعه «والده الروحي» هواري بومدين.
يتبع
