لماذا اغتالت الجزائر رموز ثورتها بعد الاستقلال؟
حتى الذين بقوا منهم على قيد الحياة فقد جرى اغتيالهم رمزيا، إما بنفيهم إلى الخارج، أو تهميشهم والتضييق عليهم
هذا التعليق تكرر كثيرا على لسان قدماء الثورة الجزائرية، الذين اكتووا بنار هواري بومدين منذ سنة 1963. فقدوا زملاء ورفاقا لهم، ماتوا أو اختفوا نهائيا في ظروف غامضة لم يرفع عنها اللبس إلى اليوم، ومنهم من تم نفيهم إلى الخارج، لكنهم لم يوصلوا أصواتهم إلى الصحافة الدولية، للفت انتباه العالم إلى ما يقع في الجزائر من اغتيال لرموز الثورة الجزائرية، التي كانت وراء استقلال الجزائر.
هناك بعض النقاط الخفية في موضوع قدماء الثورة الجزائرية. بعض المعلومات التي تناولها قدماء الثورة، خصوصا الموالين لبومدين، مفادها أن بعض أعضاء الثورة تورطوا في علاقات مشبوهة مع قيادات من جيش التحرير في المغرب، وسقطوا في شبهة الاتجار في السلاح، فكان لزاما على رفاقهم إزالتهم من الصورة، حتى لا يتسببوا في مشاكل للثوار الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي.
لكن لم يتم تقديم أي معلومات وافية بهذا الخصوص. وهو ما يجعل هذا التفسير غير منطقي، سيما وأن الأمر يتعلق بآلاف المختفين ومجهولي المصير الذين تحتفظ عائلاتهم بصور لهم وهم يشاركون في عمليات قيادة الثورة الجزائرية، واختفوا بعد أن حصلت البلاد على الاستقلال في يوليوز 1962. بينما وقعت أغلب حالات الاختطاف والاختفاء، بالضبط بعد تعيين هواري بومدين في منصب وزير الدفاع، في أول حكومة جزائرية.
اشتغل صحافيون جزائريون كثر على موضوع قدماء الثورة الجزائرية، وتساءلوا عن السر وراء تغييبهم، إلى درجة أن الثورة الجزائرية استحقت فعلا لقب «الثورة التي تأكل أبناءها».
أحد هؤلاء الصحافيين، هشام عبود، الذي قضى سنوات طويلة في منفاه الاختياري بباريس، بسبب التضييق على كتاباته داخل الجزائر. ورغم أنه لم يكن من الجيل الذي اشتغل في ظل وجود هواري بومدين في السلطة، إلا أنه عانى كثيرا مع أتباعه الذين سحبوا البساط من تحت أقدام تيار أحمد بن بلة أو المتعاطفين معه منذ سنة 1979، أثناء محاولاتهم تقسيم البلاد بينهم.
يقول هذا الصحافي في مذكراته، وهو يتناول قضية سيطرة الذين اغتالوا قيادات الثورة الجزائرية على السلطة، وحقيقة علاقتهم بالاستعمار قبل استقلال الجزائر، إن الجيش لم يكن يتحكم في حكومة الجزائر، بعد سنة 1962 وحسب، بل يصنعها ويضع رجالها بنفسه. وأصّل هذا الصحافي للعقل المدبر للجيش، حيث عيّن اسمين فقط هما الجنرال توفيق والجنرال إسماعيل العماري. وقال إنهما انشقا أساسا من الجيش الفرنسي، وانضما إلى الجيش الجزائري خلال حرب التحرير الجزائرية ما بين سنتي 1958 و1962.
وكان بعض المنضمين إلى تلك الحركة يعرفون بعضهم البعض جيدا، بحكم أنهم انضموا إلى قوات اليافعين الذين استعملهم الجيش الفرنسي في الحرب، ولم يكن عمرهم وقتها يتعدى 12 ربيعا فقط:
«إنهم أبناء المتقاعدين من الجيش الفرنسي أو أبناء القادة. هذا الماضي المشترك نسج بينهم علاقات متقاطعة ومتشابكة وتضامنا غير محدود. الجنرالات خالد نزار وعبد المالك كنيزية والعربي بلخير، على سبيل المثال فقط لا الحصر، لم يكونوا خارج هذا الإطار.
لقد انضموا جميعا إلى صفوف جيش التحرير الوطني، حيث كانوا يحومون في الفلك نفسه».
الرسالة واضحة إذن، فالذين اغتالوا رموز الثورة الجزائرية التي يصفها الجزائريون بالمقدسة، ليسوا إلا جزائريين من قدماء الجيش الفرنسي، أي أنهم كانوا عين فرنسا على الجزائر قبل الاستقلال، وأصبحوا قتلة مأجورين لديها بعد استقلال بلادهم، لتصبح مهمتهم الأولى العمل على إتلاف كل ذكريات ومعالم الثورة الجزائرية.
الثورة الجزائرية مغربية!
لا يتعلق الأمر باستعارة أو سرقة فكرية. لكن الثورة الجزائرية كانت فعلا مغربية، باعتراف أكبر قادة الثورية الجزائرية أنفسهم، وعلى رأسهم أحمد بن بلة ومحمد بوضياف، بل وحتى هواري بومدين، الذي ناصب المغرب العداء عند وصوله إلى منصب رئيس الجمهورية سنة 1965، وقبله عندما كان وزيرا للدفاع بعد استقلال البلاد في يوليوز 1962.
ومما يؤكد أن الثورة الجزائرية انطلقت من المغرب، أن قيادة العمليات كانت كلها في وجدة، بل إن القادة أنفسهم كانوا يدخلون وجدة لإجراء الاجتماعات قبل سنة 1956، تاريخ استقلال المغرب، وبعدها أيضا.
هناك أرشيف كامل من الصور الفوتوغرافية، يؤكد بما لا يدع أي مجال للشك أن الثورة الجزائرية كانت تعقد أهم اجتماعاتها في المغرب، حيث كان قادة الثورة الجزائرية يأتون إلى وجدة، للبت في القرارات الواجب اتخاذها، ويعولون كثيرا على أعضاء جيش التحرير المغربي وقدماء المقاومة، لكي يوفروا لهم الإعانات المالية.
من بين المناطق المغربية التي احتضنت أنشطة الثورة الجزائرية، بالإضافة إلى وجدة، منطقة أكنول التي كانت معقلا لجيش التحرير المغربي، في شخص أحد قادته الكبار وهو عباس المساعدي.
إذ إن منطقة أكنول بحكم موقعها في شمال المغرب، بين خطي تازة والناظور، كانت معقلا لتركز المساعدات المغربية للثورة الجزائرية. مساعدات مالية ومساعدات أخرى بالسلاح، كلها كانت تُجمع في أكنول، ويتم تهريبها برا على ظهور البغال، أو في حمولات تُخبأ فيها البنادق والقنابل والرصاص وتعبر في اتجاه الجزائر، حيث يسهر تجار مغاربة على إيصالها إلى الثوار.
وهو ما يعني أن حرفيين وتجار مغاربة كانوا يتنقلون باستمرار بين المغرب والجزائر، كانوا أيضا أعضاء في الثورة الجزائرية.
وهناك حقيقة محرجة أخرى، يعترف بها قادة الثورة الجزائرية، خصوصا في مرحلة ما قبل وصول بومدين إلى السلطة، تتعلق بوجود شهداء مغاربة في الجزائر. استشهدوا أثناء دفاعهم عن الجزائريين، أو شاركوا معهم في عمليات المقاومة التي نفذت ضد الجيش الفرنسي في مدن الجزائر وواحاتها في الصحراء، وهو ما يعني أن بلد «المليون شهيد» التي تشتهر بها الجزائر، للمغرب أفضال كثيرة وراءها.
وتحفل مقابر الجزائر العاصمة بآلاف الشهداء المغاربة، الذين يعترف لهم قدماء الثورة الجزائرية بأنهم كانوا «إخوانا في السلاح»، شاركوا كغيرهم من الجزائريين في استقلال الجزائر.
ومن بين الحقائق التاريخية المُغيبة أيضا بخصوص الثورة الجزائرية، أن أعضاء جيش التحرير المغربي في منطقة أكنول، معقل جمع السلاح والمساعدات للجزائريين، كانوا موضوع نقاش كبير بين المغرب وفرنسا، بعد استقلال المغرب. إذ إن وزارة الخارجية الفرنسية راسلت الرباط لتعبر عن قلقها الشديد من الأنشطة التي يمارسها قادة جيش التحرير في الشمال، سيما في منطقة أكنول، حيث بقوا يواصلون ما أسماها جيش التحرير المغربي وقتها «معركة تحرير بلاد المغرب الكبير». وأرشيف الخارجية الفرنسية لا يزال يحتفظ بتقارير كثيرة، تكشف إلى أي حد كان جيش التحرير منخرطا وملتزما مع الثورة الجزائرية، حتى بعد استقلال المغرب.
