تحت القائمة

وجوه أدبية بتطوان .. محمد الميموني شاعر وباحث بلغة شعرية متدفقة وبراقة

يوسف خليل السباعي/ تطواني

الشاعر الراحل محمد الميموني شاعر وباحث وناقد أدبي ومترجم رحل عنا ذات يوم تاركا جرحا في القلب وكتبا تخلده، ولكن ينبغي علينا، في هذا الزحام الأدبي والثقافي والانحطاط السياسي، عدم نسيانه وتذكره.

من أين أبدأ؟ وكيف سأتكلم عن الشاعر الراحل محمد الميموني، الذي كنت أعرفه عن قرب. شاعر أنيق لايبخل عليك بالدعم والتوجيه والمحبة. وهو شاعر قرأنا له وكان أستاذنا ليس في مدرجات الكلية ولكن حينما نلتقي به أو نحضر لقاء معه أو نستمع إلى إلقائه الشعري. كان الشاعر محمد الميموني محبوبا من الجميع. كان رجل تعليم وسياسي ذكي وكان باحثا متعمقا في دروب الشعر وأنهاره، وكان أكثر من ذلك ناقدا أدبيا. لغته الشعرية متدفقة وبراقة كالحرير . شعره نابع من كهف قلبه ومن صوته النابض بالحياة.

حينما تكلم عن أحمد هاشم الريسوني، قال” الشاعر الجميل محمد الميموني… من أجمل رواد الشعر المعاصر بالمغرب الحديث. من أبهى شعراء منطقة جبالة بشمال المغرب على مر العصور… شاعر المحبة والنور… شاعر الألفة والمصادفات الحالمة…”

ومن أهم ما كان يعرف به محمد الميموني أناقته ووقاره. كان رجلا محترما ويحترم الآخرين.

وكتب عنه محمد العربي غجو أنه:”شاعر ومثقف عاش ومارس السياسة بمعناها الوطني النبيل وكان شاهدا حقيقيا على بداية تبلور سرطان الانتهازية وإفساد الحياة السياسية والحزبية في عموم البلد وفي مدينته “الحمامة البيضاء” خاصة. نقرأ في هذا الباب سطورا مقتطفة من كتابه السير- ذاتي القيم “كأنها مصادفات” (منشورات سليكي إخوان – مارس 2013) تذكرا واعتبارا، واستخلاصا لفكرة مفادها أنه يوم تم إفراغ الأحزاب السياسية بطريقة ممنهجة، من المثقفين وأصحاب الفكر أصبحت مرتعا خصبا تصول فيه وتجول كائنات مافيوزية لا شغل لها سوى الفساد والإفساد والاتجار بمستقبل هذا البلد”.

تعود معرفتي بالشاعر محمد الميموني رحمة الله عليه إلى زمن مضى، ليس فقط كشاعر وإنما كمدير في ثانوية الإمام الغزالي وكإنسان، وهو غني عن التعريف، وكان ينشر قصائده في ملحق العلم الثقافي، وكنت أقرأ له كما قرأت بعض كتبه وأعرف أسرته. وكتبت عنه بعض المقالات، والأخبار. وفي السنوات الأخيرة قبل مماته علمت من زوجته الفاضلة أنه كان مريضا. ولم يتسنى لي إلا مرة واحدة حضور تخليد ذكراه الثانية من طرف دار الشعر في تطوان.

في يوم السبت 30 نوفمبر 2019 نظمت دار الشعر بتطوان الدورة الأولى من “ملتقى الشعر والمسرح” في مسرح دار الثقافة بتطوان، ابتداء من السادسة والنصف مساء.

كان هذا اللقاء تخليدا للذكرى الثانية لرحيل الشاعر المغربي محمد الميموني، بمشاركة الباحث المغربي في الآداب الإسبانية مصطفى اعديلة والباحث الإسباني أنطونيو رويس رييس والكاتب والصحافي المغربي محمد بوخزار.

وقدمت شهادات عن تجربة الشاعر الراحل في الشعر والحياة، وعلاقته بالشاعر الإسباني الكبير فيدريكو غارسيا لوركا، حيث يبقى الميموني من أهم مترجمي لوركا، مثلما كتب عنه أكثر من دراسة نقدية. كما تأثرت قصيدة الميموني بالتجربة الشعرية الزاخرة لشاعر الأندلس والإنسانية، مثلما جمعهما عشق غرناطة وابنتها تطوان. وكان محمد الميموني في طليعة المشاركين في مؤتمر القاهرة الدولي حول “لوركا والثقافة العربية”، الذي أقامته وزارة الثقافة المصرية بتعاون مع وزارة الثقافة الإسبانية ومعهد سرفانتيس سنة 1998.

وكانت دار الشعر كتبت تقديما لفعاليات هذه الذكرى، جاء فيها: ” في سياق العلاقة بين لوركا والميموني، والصلات الفنية الأصيلة ما بين الشعر والمسرح، شهد ملتقى تطوان حول “الشعر والمسرح” عرض مسرحية “أنا وبناتي”، لفرقة مسرح MY B ART، المقتبسة عن النص المسرحي الشهير لغارسيا لوركا “بيت برناردا ألبا”، والتي كتبها شهورا قبل إعدامه على يد فاشية النظام الدكتاتوري لفرانشيسكو فرانكو، لدى مدخل قرية ألكافار في إقليم غرناطة. وهي المسرحية التي تستكمل ثلاثية لوركا المسرحية، بعد مسرحية “عرس الدم” 1932، ومسرحية “يرما” 1934، إلى جانب تسع مسرحيات أخريات كتبها لوركا، من بينها مسرحية تاريخية هي “ماريانا بينيدا” ومسرحية كوميدية شيقة بعنوان “الإسكافية المدهشة”… مع الإشارة إلى أن الشاعر محمد الميموني قد كتب هو الآخر مسرحيتين شعرتين، الأولى بعنوان “الغيث” والثانية “آخر أعوام العقم”، وقد صدرتا ضمن عمله الشعري الأول الذي يحمل عنوان تلك المسرحية “آخر أعوام العقم”، الأمر الذي يحمل أكثر من دلالة، حين يحمل الديوان الأول للشاعر عنوان قصيدة مسرحية.

وبقدر ما تأثر الميموني وصديقه البياتي في العراق، وغيرهما، بلوركا وجيل 27 الإسباني، بقدر ما كان لوركا نفسه قد تأثر بالشعر العربي، هو الذي ألقى محاضرة تعود إلى سنة 1922 عن شعر ابن الزيات وسراج الوراق وعمر الخيام. كما كان صاحب “الأناشيد الغجرية” دائم التردد على خزانة الدائرة الفنية في غرناطة، والتي تضم دواوين مختلف طبقات الشعراء الأندلسيين، أمثال ابن حزم وابن شهيد وابن زيدون وابن قزمان. وفي “ديوان التماريت” الذي ترجمه محمد الميموني، وهو الديوان الأخير للشاعر، انتقل لوركا إلى درجة التماهي مع بنية الشعر العربي ومعماره، حين أسمى هذا العمل الشعري “Divan del Tamarit”، وأطلق على القسم الأول من قصائده اسم “غزليات Gacelas”

وعلى القسم الثاني اسم “قصائد Casidas”، وتلك إشارة واضحة إلى عمود الشعر العربي، كما يخلص الميموني في إحدى دراساته لهذا الديوان الاستثنائي الذي توج المسير الشعري لآخر شعراء الإنسانية، بتعبير أنطونيو ماتشادو.
وفي مسرحية “أنا وبناتي” تعرف جمهور دار الشعر بتطوان على نجمة الكوميديا المغربية دنيا بوتازوت، ليس بوصفها ممثلة، فقط، وبطلة في هذه المسرحية، بل مخرجة أيضا، هي التي قامت باقتباس هذه المسرحية وإخراجها. بينما تؤدي دنيا بوطازوت الدور الرئيسي في المسرحية، إلى جانب الفنانة نزهة بدر والفنان سيمو كاما والفنانة مونية لمكيمل، احتفاء بالشاعر الراحل محمد الميموني، الذي تدين له مدينة تطوان بالكثير من التقدير، واستحضارا لروح الشاعر الإسباني لوركا، الذي تدين له الأمة الإسبانية وكل الإنسانية بالفضل الكبير في الجهر بالحق والشعر والحرية والتغيير”.