دخلت سناء إلى المقهى. طلبت فنجان قهوة سوداء عادية. جاءها النادل بطلبها. لم يتأخر عنها هذه المرة كما سبق له أن فعل في المرات السابقة.
رشفت رشفة خفيفة من فنجان قهوتها ثم نظرت صوب الجالس أمامها.
لم تكن المقهى عامرة وكان يدخل من الباب الداخلية المنفتحة على عمارة سكنية قديمة هواء رطب. لم يشعر محسن بأن سناء تنظر إليه، ربما شعر بعينها تتحرك كسهم أفلت من قوسه صوبه، لكنه تناسى الأمر، وراح يقلب في صفحات فيسبوك. يقرأ ويضحك. ولا أحد يعرف ما سبب ضحكه. وكلما تعالى ضحكه وتزايد تملك الغضب سناء التي تضخمت نظرتها وتوسعت… يعرف بعض رواد المقهى أنهم لم يشاهدوا سناء تضحك أبدا، ولا يعرفون سبب ذلك وما يعرفونه حقا أنها كانت دائما تستخدم عينها كثيرا وتنظر إلى الآخرين، ولكنهم لايعرفون سبب نظرتها الدائمة والثابتة لمحسن الذي يعتبر الضحك نقدا لهذا العالم القبيح.
وفي كثير من الأوقات، كان يقول:” العالم بيضة فاسدة”. ولم يكن أحد يفهم كلامه. وعندما لايفهمه الآخرون كان يستمر في الضحك، وبما أنه كان من أكثر رواد المقهى التزاما بالحضور كان النادل يجعله حرا في ضحكه، بينما قد يغضب من زبون كسر كأسا أو جلس دون أن يشرب شيئا.
كانت سناء أنيقة الملبس، إلا أنها لم تكن جميلة ككلوديا كاردينالي، ولم تكن تتكلم. صامتة، تظل تنظر إلى محسن دون أن تكلمه، لكن محسن كان يقول أحيانا عندما يجلس معه بعض أصدقائه إنه يحب الضحك ويمقت الغضب، ولا يحب تلك النظرة الثابتة وكأنها نظرة مخبر أوبوليسي أو صحفي أو رئيس مجلس أونائب برلماني أو وزير، ولم لا، قد تكون نظرة ديكتاتور. ومرة قال:” إنه ديموقراطي”. النادل لم يعرف معنى ديمقراطي، فقال لمحسن: ” أنت رجل خطير لأنك ديلوقراطي”. فضحك محسن وقال له :” نعم، أنا ديمقراطي”، وضحك بلاتوقف.
غادرت يومها سناء المقهى، وهي غاضبة، ولم يعد أحد يراها حتى محسن ذاته. قد تكون سافرت إلى مارسيليا، أو ذهبت إلى مقهى بعيدة.
▪اللوحة للفنان التشكيلي يوسف الحداد

