قال رشيد:
– “رأيتني أتمشى بأحد دروب حي الكويت الذي أقيم به. كان الدرب خاليا، وكانت الإنارة ضعيفة، وجزء من الظلام يعم المكان. وأنا أمشي من غير تفكير قاصدا بيتي الذي يبعد بخطوات، لا حظت وجود كلب وحيد في زاوية مظلمة، نظرت إليه، ثم، اقتربت منه قليلا، بيد أنه لم يصدر عنه أي نباح، فاستغربت ولم أشعر حينئذ إلا بهاتف يقول لي: ” بمستطاعك التكلم معه”. فسألته مازحا: “هل ترغب يا “صديقي” الكلب في أن توصلني إلى بيتي؟ فلم ينبس… تركته في زاويته وتابعت مشيي في سكون. بعد برهة، لاحظت أن الكلب يتبعني، فتابعت المشي وهو يتبعني إلى أن وصلت إلى بيتي. فتحت الباب. دخلت. بدأت أفكر، وقلت في سري: ربما، فهم الكلب قصدي. وأصابتني الحيرة، حيث لم يغادر الكلب مكانا بالقرب من بيتي، في الوقت الذي كنت أنظر إليه من عين الباب السحرية الصغيرة. لما استفقت من النوم صباحا، كان الكلب قد اختفى”.
كان لابد لرشيد أن يفكر في سبب اختفاء الكلب، وقال في سره:
– ” ليس هناك من يدلني عليه سوى كاميرا الحي المنتصبة على باب عمارة الأمان، ولا أدري من سمى هذه العمارة ب” الأمان”. قد يكون سبب ذلك هو مايعرفه هذا الحي من أمن وأمان، فلم أسمع أن حادثا وقع به أو جريمة… ورغبت في معرفة من سمى هذا الحي بهذا الإسم: هل هي الجماعة أم السكان، إلا أنني لم أهتدي إلى جواب”.
كانت كاميرا العمارة تراقب كل حركة وسكنة، وكل صغيرة وكبيرة، ولم يفلت من قبضتها أي إنسان أو حيوان.
وضع رشيد أصبعه على أنترفون العمارة، ففتح الباب تاركا صوتا يشبه صوت مطرقة الحداد. دخل. صعد الدرجات، وصل إلى باب بيت الضابط المتقاعد كمال… فتح باب البيت فأدرك أن كمال أحس في السابق بخطواته. وقد يكون نظر إلى وجهه الكبير، المنتفخ والشاحب كالكرة المستطيلة من عين الباب السحرية الصغيرة.
لما دخل رشيد إلى البيت حكى له قصته مع الكلب. نهض كمال من فوق الأريكة، وشغل الكاميرا التي جعلته سكان الحي قيما عليها. كانت شاشة الكاميرا بيضاء تغمرها حبات سوداء وكان صوتها مزعجا كصوت مطر نوفمبر.
قال الضابط كمال:
– لم تسجل الكاميرا شيئا. ولاوجود للكلب إلا في عقلك.
– لا يمكن أن أصدق ذلك. لقد رأيته حقيقة، ولا أكذب. هل كنت أحلم؟
فتح الضابط فمه الأقرب شبها إلى فم السمكة، وقال وهو يضحك بشكل كتوم:
– قد يكون الأمر يتعلق بحلم من الماضي أو أنك تخاف من الكلاب. أنصحك بأن تعود إلى بيتك وتنام وتنسى قصة الكلب.
خرج رشيد من بيت كمال وهو يفكر في الكلب والعمارة وكمال والكاميرا الفارغة، ونظر إلى حي الكويت الآمن، ثم اختفى كما تختفي أشباح المسرح.

