تحت القائمة

عائشة .. قصة قصيرة

يوسف خليل السباعي

وسط أدغال القصة، كن دائما فهدا مرقّطا لا ضبعا منقّطا. ففهدٌ يعيش ليوم واحد أفضل بالتأكيد من ضبع يعيش مائة عام.
أنيس الرافعي

كل من رآها كان يقول في سره:
– عيونها حزينة!
لا أحد عرف أسباب الحزن الساكن في عيونها… قد يكون آت من وقت بعيد حينما كانت في القرية البعيدة، ولم تتغير إلا في تلك الليلة.
الليلة الأولى
تمكنت عائشة من الهرب من زوجها عباس الذي كان يضربها، ولايتركها تتكلم ولا تتنفس، يغلق عليها باب البيت ولايتركها تخرج مانعا عنها الدردشة مع أي امرأة في القرية البعيدة أو أي كائن حي.
كانت تضجر من تصرفاته، ومن قذارته، فالماء لم يدخل إلى جسمه منذ أكثر من خمسة شهور.
في هذه الليلة جمعت عائشة حوائجها وهربت تاركة البيت التي قضت فيه أتعس أيامها.
كان الناظرون إلى عيونها غير قادرين على إدراك مدى تعاستها، لكنهم كانوا يقولون في بواطنهم:
– المرأة المسكينة!
الليلة الثانية
عثرت عائشة على عمل في بيت من بيوت المدينة العتيقة، كان يعود للشيخ عبد الرؤوف، إلا أن إسمه لايدل على أنه رؤوف، بل وحش ساكن في جسم كائن بشري، كانت تغويه بعيونها الحزينة، التي كانت مثل البيضة، وكان يروقه هذا الحزن الذي ينبجس منها كما لو أنه خيوط شمس غاربة، لكنه كان يحاول مضاجعتها بالقوة، فالشيخ كان يتعاطى لحبوب الفياغرا التي كان يمنحها له بسخاء صديقه عبد النبي الولوع بالموسيقى الأندلسية، بيد أن الشيخ في تلك الليلة لم يكن قادرا على ابتلاع الحبة كاملة، بل شطرها إلى شطرين، مكتفيا بنصفها، إلا أن لا شيء تحرك في جسمه، وظل يابسا مثل شجرة فارقتها أغصانها. بقي الشيخ عبد الرؤوف جامدا، وسقط مغشيا عليه فلم يكن أمام عائشة سوى أن تهرب إلى مدينة أخرى باحثة عن عمل وظلت تبحث عنه لشهور إلى أن عثرت عليه في مطعم البحر.
اشتغلت بهمة ونشاط، وكانت تغسل الأواني وتهتم بالمأكولات، وتنفذ أوامر ورغبات مالك المطعم الحاج المهدي، لكن إسمه لم يكن يدل على أنه هادي أو مهدي أو أي شيء آخر، كان مشهورا بالتحرش بالنساء، لايهمه إن كن قاصرات صغيرات أو كبيرات… تروقه النساء الناهدات، وكان يروقه ويلذ له أن يلتصق بهن ويدور بين مؤخراتهن ونهودهن البارزات.
الليلة الثالثة والأخيرة
كانت عائشة تعمل بصرامة كما لو أن المطعم ملكها، وكان الحاج المهدي يختلي بها في غرفة ضيقة ويضاجعها بعنف، وذاك ما كان يمنعها ويضايقها، لم يكن يعرف معنى الملاطفة، فهو خشن يضاجع مثل كلب. وفي تلك الليلة رفضت عائشة أن ترضخ لرغبته الجنسية الكلبية، فأراد أخذها بالقوة، إلا أنها ضربته، فرد لها ضربة مثلها، ثم رماها على الأرض، إلا أنها دفعته، نهضت وجرت، ثم هربت من الغرفة الضيقة.
كانت دماء الحاج المهدي تغمر الغرفة الضيقة حيث أصيب في رأسه الذي ارتطم بديكور حجري صلب وقديم فمات للتو.

■ اللوحة للفنان التشكيلي عبد الكريم بنطاطو Abdel Karim Bentato