تحت القائمة

تيزيران ” وهم العذرية” لأمامة قزيز، رواية الهامش وتمزقات الذات في مواجهة بنى القمع

تنظم رابطة أديبات وأدباء شمال المغرب برئاسة الروائي عبد الجليل الوزاني التهامي بالتنسيق مع المركز الثقافي إكليل بتطوان قراءة نقدية في رواية “تيزيران” للكاتبة أمامة قزيز بمشاركة د. محمد مشبال ود. رفعة الكنياري وتسيير د. خالد أقلعي، وذلك يوم الجمعة 13 يونيو 2025 على الساعة الخامسة والنصف مساء برحاب المركز الثقافي إكليل التابع لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية.

فيما يلي ورقة منجزة من خلال قراءات مختلفة ومتعددة للرواية:

تُعد رواية تيزيران: وهم العذرية للكاتبة أمامة قزيز عملاً سردياً بالغ الحساسية والجرأة، تتقاطع فيه القضايا الاجتماعية والحقوقية مع هواجس الذات الأنثوية، في مجتمع تقليدي تُطوقه التقاليد وتخترقه تناقضات ثقافية ودينية واقتصادية.

سرد الهامش والتمثيل الرمزي

تنطلق الرواية من فضاء هامشي، قروي ومنسي، لتجعل منه مركز السرد والحكاية، حيث تتقاطع مصائر نساء مقهورات بثقل البنى الذكورية، وتسرد الرواية هذا الهامش لا بوصفه خلفية للأحداث، بل بوصفه بؤرة للتوترات والصراعات. فـ”تيزيران”، الجبل الذي يحمل اسم الرواية، يتجاوز دلالته الجغرافية ليصبح رمزاً للعلو والوحشة والانكشاف، شاهداً على خيبات النساء وأحلامهن الموءودة، كما تنعكس على حياة البطلة “نضال”.

وهم العذرية: من الجسد إلى المعنى

تطرح الرواية موضوعة العذرية كإشكال وجودي وأخلاقي ونفسي، يتجاوز الجسد إلى عمق التمثلات الاجتماعية والدينية. العذرية، كما تتجلى في الرواية، ليست سوى وهم فرضه المجتمع كقيد على حرية المرأة الجسدية والفكرية، وهي بمثابة اختزال ظالم لقيمة الأنثى في غشاء. تقدم البطلة “نضال” نموذجاً لامرأة تحاول أن تتحرر من هذا الوهم، عبر تجربة وجودية مريرة، قادتها إلى خوض علاقة عابرة فقط للتخلص من “الوصمة”، قبل أن تكتشف أن التمرد على الجسد لا يلغي صراع الوعي وتمزق الهوية.

نسوية لا تصرخ: بل تحلل وتنتقد

الرواية تتبنى خطاباً نسوياً، لكنّه لا يسقط في الشعارات، بل يتسلح بتحليل دقيق لتجارب النساء داخل وسط اجتماعي خانق. “نضال” لا تقف ضد الرجل لكونه رجلاً، بل ضد النظام الثقافي الذي ينتج ذكورة قمعية. تعارض التعدد الزوجي، لكنها لا ترفضه رفضاً مطلقاً، بل ترى فيه أحياناً مهرباً من ألم أشد، كما في حالة “ياقوتة”، التي فرت من الاغتصاب داخل العائلة إلى زواج تراه خلاصاً نسبياً.

جماليات السرد وتعدد المستويات

تتوزع الرواية بين سرديتين متوازيتين: الأولى سردية الحكاية، المحكومة بالصراع والتحول، والثانية سردية وصفية للطبيعة والمكان والحيوانات، في استعارة ذكية لطبيعة المجتمع وأحكامه، كأن الجمادات والكائنات البرية هي أيضاً شهود على الظلم والقهر. السرد يسير بين الهدوء والعاصفة، في توازن بين اللغة الشاعرية والمشهدية، وبين حدة الموضوع ومرونة الأسلوب.

رؤية حقوقية وميدانية

ليست الرواية انعكاساً أدبياً فقط، بل تحمل في بنيتها رؤية ميدانية توثق واقع نساء القرى المعزولة، من خلال نشاط “نضال” الجمعوي والحقوقي، الذي يكشف عن انتهاكات بالجملة، من اغتصاب وزنا محارم، إلى قمع التعاونية النسوية التي تمثل بذرة وعي وتمكين. وينتهي الأمر بمحاولة التخلص منها عبر فبركة ملف مخدرات، في حبكة تسلط الضوء على تواطؤ السلطة والسلطة الدينية والذكورية ضد أي مشروع تحرري.

رواية الانعتاق في وجه مجتمع مأزوم

تيزيران: وهم العذرية ليست فقط رواية عن النساء، بل عن مجتمع مأزوم في نظرته للجسد، للجنس، وللدين. تتداخل فيها مفارقات الحداثة والتقليد، المدينة والقرية، القانون والعرف، في رواية تحاول أن تقول إن الكرامة والحرية لا تُمنح، بل تُنتزع عبر وعي جمعي يبدأ من سرد الحكايات، وفضح المسكوت عنه.

بهذا المعنى، تمثل رواية أمامة قزيز علامة فارقة في الأدب النسوي المغربي، بانحيازها للواقع، دون أن تنسى شرط الأدب في التخييل والجمال. إنها رواية لا تهادن، ولا تبحث عن إرضاء القارئ، بل تستفزه ليفكر، يتأمل، ويعيد النظر.