تحت القائمة

” في انتظار الأطباق الطائرة ” بعيون ناقد فرنسي

إهداء إلى الروائي البشير الدامون

ورقة بحثية شاملة دون عناوين فرعية، تتناول قراءة رولان بارت لرواية “في انتظار الأطباق الطائرة” للروائي البشير الدامون وهو افتراضيا انطلاقا من قراءات ذ.ا وعبد الحميد البجوقي ويوسف خليل السباعي وسعيد أكزناي الفريول.

في ضوء المنظور البنيوي وما بعد البنيوي الذي بلوره الناقد الفرنسي رولان بارت، تتبدّى رواية في انتظار الأطباق الطائرة للبشير الدامون كمجال خصب للتفكيك والتأويل، لا بوصفها وثيقة اجتماعية أو تمثيلًا واقعيًا لأحوال الأحياء الشعبية بمدينة تطوان، بل باعتبارها نسيجًا لغويًا مشبعًا بالعلامات والدوال التي تتجاوز نية المؤلف وتتجه نحو سلطة القارئ. إن القراءة البارتية للنص الأدبي تنطلق من إعلان “موت المؤلف” بوصفه لحظة تحرر المعنى من سلطة الواحد، وتكريسًا لمفهوم “الكتابة” باعتبارها فضاءً مفتوحًا تنتج فيه اللغة ذاتها ولا تستند إلى مرجع خارجي ثابت.

حين يسرد البطل في هذه الرواية وقائع التشرد والانكسار والاغتراب بضمير المتكلم، لا يجد القارئ ذاته أمام شخصية مفردة تمتلك ملامح نفسية أو اجتماعية خاصة، بل أمام ضمير متكلم جماعي، يتحدث باسم جماعة هامشية مسحوقة، بلا اسم، بلا ملامح واضحة، ولا حتى مصير فردي. هذا الضمير لا يُستقبل كبنية سردية عادية، بل يتحول وفق تصور بارت إلى علامة لغوية معطلة عن التعيين، تنوب عن حضور جماعي ممزق داخل خطاب لغوي يعكس تشظي الذات الحديثة. إن “أنا” السرد هنا ليست سوى قناع بلاغي، يخفي أكثر مما يصرّح، ويقدّم الذات الساردة كصوت تائه وسط الحشود المنسية، لا يمتلك سوى اللغة كأداة للبقاء.

لا يُقارب بارت هذا الضمير بوصفه تقنية تعبيرية، بل كأثر لغوي يشتغل على تفكيك التمركز حول الذات، فيتحول السرد إلى جماعة تتكلم بلغة الفرد المفكك، لغة تتماهى مع الشتات والضياع. هذا المسار السردي المتخفي ينسجم مع أطروحة بارت حول تعدد الأصوات داخل النص (polyphonie)، حيث لا توجد سلطة نهائية لصوت واحد، بل تتداخل الأصوات والخطابات، وتنفتح على طبقات دلالية متناقضة أحيانًا ومتشابكة دائمًا. فالرواية تمثل التقاءً بين خطاب ديني تقليدي مُمثل في شخصية “سيدي الهادي”، وخطاب اقتصادي سلطوي متجسد في “الطاليانو”، وخطاب اجتماعي هامشي يشكّله صوت البطل وصديقه “عزيز”. هذه الخطابات لا تُبنى على أساس تمثيلي صرف، بل تشتغل كأنظمة دلالية تنتج السلطة، وتعيد إنتاج القهر، داخل فضاء لغوي يعيد تشكيل العالم لا نقله.

الرواية لا تستند فقط إلى سرد مأساوي لواقع اجتماعي محتقن، بل تلجأ إلى توظيف عنصر خيالي ذي بعد رمزي كثيف، يتمثل في “الأطباق الطائرة”، والتي لا تُعرض ككائنات فضائية فعلية بقدر ما تُقدّم كدال عائم (signifiant flottant)، أي تلك العلامة التي تفتقر إلى مدلول ثابت، وتُحمَّل بما لا يحصى من تأويلات محتملة. الأطباق الطائرة، بهذا المعنى، لا تعبّر عن الأمل فقط، بل قد تكون وهمًا جماعيًا، أو استعارة لفكرة الخلاص المؤجل، أو رمزًا لرغبة دفينة في الانفكاك من واقع سيزيفي لا يمنح أبطاله سوى التكرار والعبث والانحدار.

ضمن هذا السياق، يتجلى مفهوم “اللذة في النص” لدى بارت، حيث لا تتحقق متعة القراءة من وضوح المعنى أو اكتماله، بل من ارتباك القارئ أمام كثافة المعنى وتشظيه، أمام غياب اليقين وخرق التوقع. إن القارئ في رواية البشير الدامون لا يحظى بتفسير نهائي أو تمفصل واضح بين الخير والشر، أو بين النقاء والانحراف. بل إن الشخصيات – الدينية منها أو السياسية أو الاجتماعية – كلها مشروخة من الداخل، وكل خطاب فيها يعاني من التباس عميق في المرجعية والمقصد. وهذا ما يجعل الرواية نصًا “مفتوحًا” بالمعنى البارتي، قابلًا لإعادة التأويل باستمرار، وممتنعًا عن الخضوع للمعنى الواحد.

ولا يلبث أن يُفكّك بارت صورة المؤلف ذاته داخل هذا العمل. فالبشير الدامون، في نظره، لا يحتل موقع الصانع الأوحد للنص، بل هو مجرد “ناسخ” لعلامات مسبقة، يُعيد تركيبها ضمن نسيج لغوي جديد. فالمؤلف لم يعد مصدر المعنى، بل النص ذاته هو الذي “يكتب” العالم عبر اللغة، واللغة – كما يردد بارت – هي التي تتكلم، لا المؤلف. من هنا، فإن المعاناة الاجتماعية، والفساد الديني، والانحراف السلطوي، والانسحاق الطبقي، لا تُنقل إلى القارئ كحقائق موضوعية، بل كتراكيب لغوية، أنظمة خطابية تشتغل داخل النص كآليات إنتاج دلالي. وهذا ما يجعل الرواية أكثر من مجرد شهادة اجتماعية أو صرخة احتجاج، إنها شبكة من الإحالات الرمزية، والمجازات الاجتماعية، والعلامات المفتوحة.

إن قراءة في انتظار الأطباق الطائرة بعيون رولان بارت تخرج بها من أفق الواقعية الاجتماعية إلى أفق الكتابة كفعل تفكيك، وتعيد اعتبار النص ساحة لصراع الخطابات، لا كصورة لعالم خارجي. بهذا، تصبح الرواية فعلًا جماليًا مقاومًا لكل تمركز، ومجالًا لتجريب اللغة، ومرآة لتفكك المعنى، حيث تتوارى نية المؤلف لصالح إنتاج لا محدود للدلالة. وبذلك، تتحقق أطروحة بارت الجوهرية: أن موت المؤلف هو شرط ضروري لميلاد القارئ، وأن النص الأدبي الحقيقي لا يُفسَّر، بل يُقرأ، ويُعاد قراءته، بلا توقف.

عند مقاربة النص النقدي لمقال عبد الحميد البجوقي من خلال مفاهيم رولان بارت، تتقدم ثلاث أدوات مركزية من أدوات بارتية لفك شيفرات المعنى: فكرة النص كنسيج من العلامات، مفهوم موت المؤلف، ومقولة الكتابة كفضاء للّذة والاختلاف. كلّ واحدة من هذه الأدوات تتيح قراءة مغايرة للنص الروائي كما يقدّمه البجوقي، لا بوصفه حكاية عن فتى ضائع، بل كنصّ رمزي تتفجر داخله دلالات اللغة، المدينة، والجسد.

أولًا، بارت في S/Z يرى أن النص ليس تعبيرًا عن قصدية مؤلف، بل بنيان من العلامات المتداخلة التي تنتج معناها في كل قراءة، ولهذا فإن تحليل البجوقي – رغم عدم تخصصه النقدي المعلن – يلتقي مع بارت حين يسلط الضوء على العلامة الرمزية في الرواية. السطح ليس سطحًا فقط، بل رمز حدودي بين الحلم والقيد، بين الأعلى (التحليق الممكن) والأسفل (الخراب الواقعي). إنها علامة تُقرأ في ضوء القيم لا فقط كعنصر من عناصر الحكاية. كذلك “حبة البطاطس” تتحول من مجرد شيء إلى رمز قاسٍ للردع الأخلاقي، وهنا نكون أمام وظيفة سيميائية للعنصر الحكائي، حيث يتحول المادي إلى لغوي، والملموس إلى تمثيلي – وهو ما يسميه بارت “اللذة الثانية للنص”، أي لحظة التحول من القصة إلى الرمز.

ثانيًا، مفهوم موت المؤلف يتيح لنا أن نرى الرواية خارج إرادة البشير الدامون كمؤلف بيوغرافي. بحسب بارت، ليس المهم “ما أراده المؤلف”، بل ما “يقوله النص” داخل شبكة القراءة. في هذا السياق، البجوقي لا يبحث عن نوايا الروائي، بل يفكك المشهد السردي كموقع لإنتاج المعنى. نعيمة ليست “امرأة واقعية” بل “تفاحة رمزية”، الأم ليست فقط شخصية بل “الذات الأخلاقية للمدينة”، أي أن القراءة هنا تتحرر من المرجع وتحلق في أفق رمزي – وهذا بالضبط ما يعنيه بارت بإعادة السلطة إلى النص والقارئ بدل المؤلف.

ثالثًا، يمكن مقاربة المقطع الذي يصف لحظة “اللقاء المبتور” بين البطل ونعيمة بوصفه تمثيلًا لاللذة المؤجلة، تلك التي تحدث عنها بارت في لذة النص. لا تتحقق النشوة (la jouissance) لأن النظام الاجتماعي والأخلاقي يمنعها، ويحولها إلى عقوبة. النص إذن لا يمنح “إشباعًا سرديًا”، بل يلعب على التوتر بين الرغبة والمنع، ليصنع من هذا التوتر مكمنًا للمعنى. هكذا، تُفهم المدينة لا كمكان، بل كـ”نص آخر”، “نص مضاد”، يراقب الجسد ويقصيه. وهنا، يصبح الجسد نفسه علامة لغوية، يتحول من كينونة بيولوجية إلى فضاء للصراع الرمزي، تمامًا كما نظر بارت للجسد المكتوب: بوصفه موقعًا للقراءة والكتابة في آنٍ.

كما أن المدينة في تحليل البجوقي تتجسد كذات تحاكم وتطرد، وهي هنا ليست “الواقع” بل “النص الثقافي”، بمعناه البارتي، أي ذلك البناء الذي تتقاطع فيه اللغة، السلطة، الأخلاق، والتاريخ، لتنتج سردية عن الانتماء والعقاب. وفي عبارة مثل: “من اليوم اذهب لتبحث أين ستعيش، أيها الكلب الأجرب الأعرج…”، يتحول السرد إلى لغة عقابية، تمارس “القتل الرمزي” لا على الشخصية وحدها، بل على نموذج ذكوري/طبقي/جغرافي غير منضبط.
وفي ضوء مفهوم بارت عن “الكتابة البيضاء” – أي النص المحايد الذي لا يقول الحقيقة بل يحفر في بنية القول – يمكن فهم العنوان “في انتظار الأطباق الطائرة” كرمز للعبث وانسداد الأفق. فالخلاص لا يأتي، لأن النظام الرمزي الذي يحكم النص لا يسمح بذلك. “الأطباق الطائرة” هنا هي المجاز الأعظم لكل الرغبات المؤجلة والمستحيلة: جنسيًا، طبقيًا، أخلاقيًا، وحتى لغويًا.

وأخيرًا، يحقق النص – كما قرأه البجوقي – ما يسميه بارت بـ”النص الكاتب” أي النص الذي لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يفتح نفسه على إمكانات متعددة للقراءة. فلا يوجد معنى نهائي، بل طبقات من التأويل، تتقاطع فيها المدينة بالجسد، والأنثى بالسلطة، والرغبة بالعقوبة، وهو ما يجعل هذه الرواية، في منطق بارت، ليست فقط قصة تُروى، بل جهازًا رمزيًا مفتوحًا للقراءة اللانهائية.

بهذه المقاربة، تتحول رواية الدامون – عبر تحليل البجوقي – إلى ساحة سيميائية مكتظة بالدوال، مدينة حروفية تطرد أبناءها، وجسد رمزي يُقهر لا بالواقع فقط، بل باللغة، بالسرد، بالعقاب الرمزي.
حين نستحضر رواية في انتظار الأطباق الطائرة للبشير الدامون كما قدمها يوسف خليل السباعي، لا نقرأها بوصفها عملاً يحمل هوية ثابتة أو رسالة مغلقة كما قد يريدها المؤلف، بل نلج هذا النص كما لو كان نسيجًا مفتوحًا، متعدد الطبقات، على نحو ما دعا إليه رولان بارت. فالمؤلف، بحسب بارت، ليس مصدرًا نهائيًا للمعنى، بل هو مجرد “ناسخ” ضمن سلسلة غير منتهية من الدوال، التي لا تعود إلى مرجع نهائي أو معنى قارّ، بل تنفتح على تعددية تأويلية لا تنحصر في نية الكاتب ولا في بنية العمل، بل في فعل القراءة ذاته.

انطلاقًا من هذا التصور، لا ينبغي أن نقرأ في انتظار الأطباق الطائرة بوصفها رواية عن المهمشين داخل المدينة القديمة فقط، ولا على أنها خطاب احتجاجي صريح ضد العنف والتخلف، بل يجب أن ننظر إليها كمجالٍ للتوتر السيميائي، حيث يتصارع النص مع ذاته، ويعيد إنتاج المعاني في حركة دائمة من الانزياح والتأجيل. الإشارة إلى انتظار الأطباق الطائرة تكتسب هنا كثافة رمزية لا تتوقف عند دلالتها المباشرة كاستعارة للغيب أو الخلاص، بل تتحول إلى علامة عائمة، détournée، تفضح منطق الانتظار ذاته، وتعيد مساءلته كفعل قسري، مفروض، بل كسجن زمني ومعرفي، لا يفضي إلى شيء سوى خواء المعنى.

وإذا أخذنا التشابه الرمزي بين عنوان الرواية وفي انتظار غودو لبيكيت، فإن النص يدخل في حوار ما بين النصوص intertextualité، حيث لا يعود للمعنى مركز واحد، بل يتفتت ويتشظى بين نصوص أخرى تستدعيه وتنازعه وتحتويه في الآن ذاته. “غودو” الذي لا يأتي، و”الأطباق الطائرة” التي لا تحط، هما وجهان لانتظار مفرغ من مضمونه، لكنه مشبع بالدوال المعلقة، وهو ما يجعل النص عرضة لتعددية قرائية لا تنتهي.

السيميولوجيا البارتية تجعلنا نعيد النظر في شخصيات الرواية: المجروح، المعاق، المهمش، لا بوصفهم كائنات تحمل تراجيديات شخصية فقط، بل كعلامات سيميائية تعيد إنتاج خطاب الهامش، لا باعتباره حقيقة موضوعية، بل كبنية رمزية مكررة داخل النص، تعكس تمزقًا في الذات، وفي النظام السردي نفسه. إن هذا التشظي ليس مجرد موضوع للرواية، بل هو بنيتها العميقة، هو ما يشكلها لا ما تمثله فقط.

واللغة، وهي المادة الخام للسرد، ليست مجرد وسيلة نقل، بل حقل توتر آخر، حيث تلتقي السخرية بالعنف، والشعرية بالألم، في علاقة سردية لا تهدف إلى خلق انسجام أو نهاية، بل إلى فضح زيف تلك النهايات. بهذا، تصبح الرواية ليست مرآةً لواقع أو مرجعية خارجية، بل أداةً لتقويض المرجعية ذاتها، لنزع السلطة عن “المعنى”، وفضح سلطوية “الحقيقة”.

من هنا يمكن القول إن رواية الدامون، كما ينقلها لنا يوسف خليل السباعي، ليست فقط رؤية للوجود، كما قد يزعم المؤلف، بل هي أيضًا تفكيك لذلك الوجود في حد ذاته، مقاومة شكلية ومعرفية للسلطة: سلطة المعنى، سلطة المرجع، وسلطة اللغة. وهي بذلك تحقق ما يسميه بارت بـ”نص اللذة” – النص الذي لا يُستهلَك، بل يقاوم القارئ، ويخدش توقعاته، ويفتحه على فضاء لا نهائي من القراءات.
إن في انتظار الأطباق الطائرة ليست رواية تُقرأ، بل رواية تُعاد كتابتها مع كل قارئ، وهذا ما يجعلها جديرة بقراءة بارتية، لا تؤمن بالثوابت، بل تحتفي بتعدد المعنى، وبموت المؤلف، وبولادة القارئ.