تحت القائمة

حين يتحول تثمين التراث بتطوان إلى ” مقهى “

استفاقت مدينة تطوان يوم الأحد الماضي على خبر مدوي يتعلق بتثمين التراث وتأهيل المدينة العتيقة ومعالمها الأثرية التي خصصت لها ميزانية ضخمة. ربما كان يتوقع محبو التراث والأصالة أن يتم افتتاح معلمة حضارية بحمولاتها التاريخية والإنسانية لتعزز المشهد السياحي بتطوان وتربط ماضيها بحاضرها، فإذا بالقائمين على المشهد العام يفاجؤون الجميع بافتتاح ” مقهى – مطعم “.

نعم يا سادة ” مقهى ” ليست كباقي المقاهي. مقهى داخل أسوار دار ” البومبة ” التاريخية الواقعة بحي الترانكات. مشروع تأهيل هذا الموقع الأثري خصص له اعتماد مالي بقيمة 6.000.000 درهم من تمويل المجلس الإقليمي بتطوان أشرفت على إنجازه وكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال كهيأة تنفيذية للمشروع. ستة ملايير صرفت لتحويل هذه المعلمة التراثية إلى مقهى تم تفويتها في إطار طلبات عروض.

هل كان يظن السلطان محمد بن عبد الله منشأ هذه الدار في القرن الثامن عشر لصنع القنابل والبارود لصالح الجيش المغربي أن تتحول بعد ثلاثة قرون إلى مجرد فضاء عمومي يتناول فيه مرتادوه الشاي والقهوة و”الطاكوس ” وأشياء أخرى. وربما  أثناء جلستهم الممتعة لن يجدوا من يشرح لهم تاريخ الدار ودورها في إنتاج العتاد الحربي الذي استُعمل في تحصين الموانئ والمراسي والمدن الساحلية من هجمات السفن الحربية الإيبيرية، وكذا لتجهيز الجيش المغربي بالأسلحة الثقيلة لحصار واسترجاع الثغور المحتلة.

ألم يكن حريا بالقائمين على المشروع من سلطات وجهات متداخلة أن يتم جعل الدار مركزا ثقافيا أو مكتبة عامة تعزز بكتب ومراجع ووثائق تفيد وتسهل على الباحثين في التاريخ والفكر والتراث إنجاز أطروحاتهم، ويتخلل الفضاء قاعة للندوات وإلقاء المحاضرات ولما لا ينقل إليها جزء من مكتبة المفكر ” داوود ” التي وهبها لأهل العلم. فضاء تاريخي تشرف عليه وزارة الثقافة بشراكة مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية والمؤسسات ذات الاهتمام بالتاريخ والتراث.

ألم يكن من الأجدر أيضا تحويل دار ” البومبة “إلى فضاء للذاكرة الإنسانية والحضارية بتطوان. متحف يساهم في التعريف برجالات المدينة ممن أغنوا تاريخها بإنجازاتهم وعطاءاتهم في النضال المسلح والسياسي، وفي الفكر والثقافة والغناء والرياضة والإعلام. في إسبانيا على سبيل المثال قصر الحمراء بغرناطة وحده يستقطب ملايين السياح على مدار السنة، ناهيك عن إشبيلية وقرطبة بمعالمهم التي ورثوها عن الحقبة الإسلامية. دولة تعرف كيف تجعل من تراثها يُساهم في تنشيط السياحة، خصوصاً في مناطق الأندلس عبر الترويج لهذه المواقع مما يجذب أعداداً متزايدة من السياح المهتمين بالتاريخ والثقافة.

تطوان بنت غرناطة في حاجة إلى نقل ولو جزء بسيط من التجربة الإسبانية في الترويج لذاكرتها التاريخية والحضارية وجعل معالمها في خدمة المشروع السياحي والتعريف بالتراث الثقافي اللامادي، ودوره الريادي في خدمة السياحة والتنمية السياحية التي تتميز بغنى وزخم كبير، بمختلف أنواعه وأصنافه.