حين يتعثر التقارب المغربي– الإسباني على عتبة قنصلية تطوان
📝 عماد بنهميج / تطواني
بينما تتكثف اللقاءات المغربية–الإسبانية بمدينة تطوان في مجالات التراث والثقافة والبيئة، يزداد التباين وضوحًا بين دفء العلاقات الرسمية والجمود القنصلي الذي يطبع تعامل القنصلية الإسبانية بتطوان مع طلبات التأشيرة، ما يثير استياء متزايدا في الأوساط الطلابية والاقتصادية والحقوقية.
ورغم هذه الدينامية الرسمية، يؤكد عدد من الفاعلين المحليين الذين استقى الموقع آراءهم، أن انعكاسها على مستوى الخدمات القنصلية الإسبانية بتطوان شبه منعدم، خاصة في ما يتعلق بملف التأشيرات الذي بات يثير غضبا واسعا في صفوف رجال الأعمال والطلاب وطالبي التجمع العائلي والفيزا السياحية. ويجمع عدد من الفاعلين على أن الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي الرسمي للحكومة الإسبانية والممارسة القنصلية بتطوان باتت تضعف الثقة المتبادلة، خاصة في مدينة تشهد نشاطا ثقافيا مكثفا مع الشركاء الإسبان.
وتفيد شهادات متقاطعة لمكاتب خدمات التأشيرة، بأن القنصلية الإسبانية بتطوان تعتمد معايير مشددة وأحيانا غير واضحة في دراسة الملفات، مع رفض طلبات مستوفية للشروط دون تبريرات كافية، وتقليص مدة التأشيرات الممنوحة إلى أيام أو أسابيع قليلة، حتى للمتعاملين المنتظمين مع شركاء إسبان من أساتذة وإعلاميين أو الطلاب المقبولين بمؤسسات تعليمية وجامعية في إسبانيا.
الانتقادات حسب ذات الشهادات طالت رئيسة قسم التأشيرات بالقنصلية الإسبانية بتطوان التي ينظر إليها بوصفها “المرأة الحديدية” وصاحبة القرار الأول والأخير. وترى الشهادات أن أسلوب التعامل داخل هذا القسم لا ينسجم مع روح التعاون الثقافي والاقتصادي الذي تعلنه إسبانيا في لقاءاتها الرسمية. ويتحدث مواطنون رفضت ملفاتهم عن نقص في التواصل والرد على التعرضات، ما يزيد من تعقيد الإجراءات ويفتح الباب أمام مظاهر الحيف الإداري التي تتنافى مع تطور العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا.
وتتعمق الانتقادات الموجهة للقنصلية الإسبانية بتطوان بعد بروز معطيات جديدة تتعلق بطريقة تدبير قسم التأشيرات، حيث تتهم ذات الموظفة باعتماد خلفية استباقية ذات طابع يميني متشدد في التعامل مع طالبي التأشيرة المغاربة، ما يجعل قراءتها للملفات محكومة بفرضية مسبقة تعتبر أغلب المتقدمين “مشاريع هجرة محتملة” حتى لو كانوا رجال أعمال أو أطباء أو أساتذة جامعيين أو نقابيين أو صحفيين.
وتشير شهادات متطابقة إلى أن رئيسة هذا القسم تنظر إلى الوثائق المغربية بنظرة تشكيكية واضحة، وتشمل هذه الشكوك حتى الوثائق الصادرة عن مؤسسات رسمية معروفة بموثوقيتها، كالشهادات المهنية، والدعوات لحضور مؤتمرات، ووثائق الأبناك، وشهادات الضرائب. ويؤكد عدد من المتضررين أن الرفض غالبا ما يتم دون طلب توضيحات إضافية أو التحقق من المؤسسات المصدرة للوثائق، ما يثير تساؤلات حول معايير دراسة الملفات.
ويشمل الرفض، بحسب مصادر مهنية، ملفات رجال أعمال وأطباء وأساتذة جامعيين وصحفيين يرتبطون بشراكات ثابتة مع مؤسسات إسبانية، ويشاركون بانتظام في ملتقيات ومؤتمرات في الجار الشمالي. ورغم علاقاتهم المهنية المتينة، يفاجأ هؤلاء إما برفض طلباتهم بشكل غير مبرر، أو بمنحهم تأشيرات قصيرة جدا بصلاحية دخول وخروج لمرة واحدة فقط، وهو ما يعرقل مشاركتهم في فعاليات تمتد عادة لفترات أطول أو تستلزم أكثر من زيارة.
ويعتبر مهنيون أن هذا النوع من المعاملة لا ينسجم مع منطق التعاون الوثيق الذي يفترض أن يسهل الحركة بين الفاعلين الثقافيين والاقتصاديين والإعلاميين في البلدين. كما أن منح تأشيرات قصيرة جدا لأشخاص سبق لهم الحصول على تأشيرات متعددة الدخول في السنوات الماضية ينظر إليه بوصفه تراجعا غير مفهوم في الثقة المتبادلة.
وفي الوقت الذي تتعامل فيه مصالح القنصلية الإسبانية بتطوان بنظرة دونية تجاه طالبي التأشيرة من المغاربة، باعتبارهم “مشاريع هجرة محتملة” في حال حصولهم على الفيزا، تستقبل الحكومة الإسبانية سنويا مئات المهاجرين السريين القادمين من السواحل المغربية وتعمل على تسوية وضعيتهم القانونية في إطار ما تعتبره التزاماتها بالحق الإنساني وواجب التضامن الاجتماعي. وهو تناقض صارخ، يعكس ازدواجية في التعاطي مع ملف الهجرة بين المقاربة القنصلية والإطار الحقوقي الرسمي الذي تتبناه مدريد على المستوى الدولي.
ويشير مراقبون محليون إلى أن طريقة تعامل القنصلية الإسبانية بتطوان مع ملفات التأشيرات توحي بتأثرها بأفكار اليمين المتطرف الإسباني، لاسيما حزب “فوكس” المعروف بتوجهاته العدائية تجاه المغرب، في وقت يتم فيه التعامل مع ملفات التأشيرة في قنصليات طنجة والرباط والدار البيضاء والناظور بسلاسة أكبر ودون التعقيدات نفسها التي تميز مكتب تطوان. هذا التفاوت في الأسلوب والممارسة يثير تساؤلات حول غياب توحيد للمعايير القنصلية داخل البعثات الإسبانية بالمغرب.
وقد سبق لجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان أن نظمت وقفة احتجاجية أمام مقر القنصلية الإسبانية بتطوان، تنديدًا بما وصفته بـ“التمييز في منح التأشيرات وغياب معايير واضحة في دراسة الملفات“. وطالبت الجمعية حينها الحكومة الإسبانية بالتدخل العاجل لضمان معاملة منصفة للمغاربة، وبمراجعة أسلوب عمل القنصلية بما ينسجم مع العلاقات الثنائية التي تربط البلدين.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه اللقاءات الرسمية عن التعاون والتقارب، يبقى طالبو التأشيرة بقنصلية اسبانيا بتطوان في مواجهة تعقيدات إدارية وخلفيات سياسية يمينية تحول دون ترجمة هذا التقارب إلى واقع ملموس، مما يجعل من إصلاح منظومة التأشيرات شرطا أساسيا لإعطاء التعاون المغربي– الإسباني بعدا إنسانيا حقيقيا.
