لم يعد الجدل الدائر حول أشغال تهيئة شارع محمد الخامس مجرد نقاش عابر حول مشروع محلي، بل تحول إلى مرآة تعكس خللا أعمق في طريقة تدبير الفضاء الحضري بالمدينة. شارع محمد الخامس الذي يضم مقرات ديبلوماسية وإذاعية وسياحية يعد شريانا رئيسيا يربط الحي “ الإنساتشي ” بالمدينة العتيقة ومرورا بالقصر الملكي، كان من المفترض أن يشكل نموذجا لإعادة التأهيل الشامل، غير أن ما يجري على أرض الواقع يعيد طرح نفس الإشكالات المتعلقة بسياسة ” الترقيع “.
وتتركز الانتقادات أساسا حول ما يصفه مهتمون بالشأن المحلي بـ“إصلاحات ترقيعية”، تقتصر على إعادة ترتيب الأرضية دون اعتماد تصور شامل يعالج مختلف الاختلالات التي يعرفها الشارع، سواء على مستوى البنية التحتية أو الجمالية الحضرية. ويؤكد المهتمون أن المشروع كان يستدعي إعادة تأهيل كاملة، تشمل تغيير الأرضية بشكل جذري، وتنظيم الواجهات التجارية، وتقليص فوضى اللوحات الإشهارية، فضلا عن معالجة ظاهرة الأطباق اللاقطة التي تشوه المنظر العام لعدد من البنايات.
هذا النموذج ليس استثناء، بل امتداد لنهج يتكرر في عدد من شوارع المدينة، حيث يتم ترصيف الطرق بالأحجار دون احترام المعايير التقنية والجمالية المعمول بها دوليا. والنتيجة الحتمية بروز أرضيات غير متماسكة، وتشوه بصري يتناقض مع هوية مدينة ذات عمق تاريخي ومعماري.
المفارقة أن المقارنة لا تحتاج إلى أمثلة بعيدة. ففي مدن عديدة بجنوب إسبانيا كمالقا وإشبيلية وغرناطة، ينظر إلى التبليط كجزء من هوية المجال الحضري، وليس مجرد حل تقني. الأحجار هناك تختار بعناية، وترص وفق تصاميم دقيقة، مع احترام صارم لمعايير الصرف والتثبيت، ما يضمن متانة تدوم لعقود، وانسجاما بصريا يعزز جاذبية المدينة.
بل إن نماذج أقرب جغرافيا، مثل شارع Calle Marqués de Larios في مالقة، تبرز كيف يمكن لتحويل شارع رئيسي أن يغير صورة مدينة بأكملها، عندما تتوفر رؤية واضحة وإرادة تنفيذية صارمة. هناك، لم يتم الاكتفاء بإصلاح الأرضية، بل جرى توحيد المشهد البصري، وتنظيم الإشهار، وخلق فضاء حضري متكامل يخدم الساكنة ويجذب الزوار.
وفي خضم هذا التحول العالمي في طرق تخطيط المدن، لم يعد الابتكار مقتصرا على المواد أو تقنيات البناء فقط، بل أصبح الذكاء الاصطناعي أداة عملية تستخدم في تصميم الفضاءات الحضرية. اليوم، تعتمد العديد من المدن على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم نماذج ثلاثية الأبعاد، ومحاكاة سيناريوهات مختلفة لتهيئة الشوارع، واختيار أفضل الحلول من حيث الجمالية والوظيفة والتكلفة. هذه الأدوات تمكن من تصور المشروع قبل تنفيذه، وتفادي أخطاء مكلفة، وتكييف التصاميم مع الخصوصيات المحلية.
ويجمع فاعلون محليون على أن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإصلاح شارع، بل بإعادة التفكير في كيفية تدبير الفضاءات الحضرية بمدينة تطوان بشكل يحقق التوازن بين الوظيفة والجمالية، ويعزز جاذبية المدينة كوجهة سياحية وثقافية.
